24 ساعةسلايدرسياسةمجتمع

تشيكيطو يكتب ..الدعم الخفي و”سطوة المال”: حين يُستخدم التضليل السياسي لحماية مصالح حزبية

في خضم نضال الرأي العام وبعض الوجوه السياسية من أجل استعادة زمام المبادرة في بناء دولة المواطنة والشفافية، يبرز التضليل الإعلامي والتلاعب بالمعلومات كأحد أبرز المعوقات التي تعرقل هذا المسار.

تصريحات رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، حول الدعم الحكومي لاستيراد المواشي، تجسد هذا التضليل، حين حاول من خلالها حصر الدعم في مبلغ 300 مليون درهم مخصص لعيد الأضحى، متجاهلاً عن عمد إعفاءات ضريبية وجمركية ضخمة بلغت ما مجموعه 13 مليار درهم، حسب إفادات متواترة لمسؤولين حكوميين.

إن هذا التغليط ليس سهوًا بريئًا، بل تحايلاً واعيًا على الرأي العام وتستّراً على المستفيدين الحقيقيين من هذا الدعم، كثير منهم مقربون من الحزب الذي ينتمي إليه العلمي نفسه.

فبدلاً من كشف حجم الامتيازات التي حصلت عليها شبكات مصالح تحت غطاء استيراد المواشي، اختار العلمي سياسة الإنكار والتقزيم، ليحول انتباه المواطنين عن حقيقة الدعم المهول الممنوح لفئة محدودة على حساب خزينة الدولة ومصالح الفئات الضعيفة.

لقد أدّى هذا الدعم السخي ــ الذي اعترف وزير الميزانية فوزي لقجع بفشله في تحقيق الأهداف المرجوة منه ــ إلى تبديد موارد كان من الممكن استثمارها في الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية،

ومع ذلك، تصر بعض الوجوه الحزبية، على تلميع هذه السياسات عبر تغليفها بخطاب “الرعاية الاجتماعية”، بينما الحقيقة أنها رعاية مصالح اقتصادية ترتبط عضوياً بالنخب الحزبية والسياسية المسيطرة.

هذه الممارسات ليست شاذة عن السياق الدولي، فسطوة المال على السياسة تقوّض يومًا بعد يوم مصداقية الفكرة الليبرالية (على الأقل بالصيغة التي يحاولون تلقينها لنا في المدارس والجامعات) والتي تُفترض فيها المساواة بين المواطنين في التأثير على القرار السياسي. ⚖️فالتجارب الغربية، من الولايات المتحدة إلى أوروبا، أظهرت كيف أن الحملات الانتخابية تُموَّل بمليارات من طرف جماعات الضغط والمصالح الكبرى، ما يجعل أصوات الفقراء والطبقات المتوسطة مجرد أرقام في معادلة تحكمها الأموال والنفوذ، لا الإرادة الشعبية.

تُموَّل الشعبويات الصاعدة في هذا الانهيار الأخلاقي والسياسي؛ من المصالح الكبرى، لكنها تزعم تمثيل المهمشين. فدونالد ترامب، مثلا، جاء بحكومة من أصحاب الثروات الطائلة بعد أن دغدغ مشاعر الفقراء بخطاب ضد “النخبة الجشعة”، وهاهو الان يترجم تعاقده مع لوبيات البيع والشراء على حساب بسطاء العالم وليس امريكا فحسب.

نفس السيناريو يتكرر بألوان محلية: خطاب اجتماعي شعبوي يتستر على إعادة إنتاج هيمنة اقتصادية وحزبية على مفاصل القرار، تماماً كما يفعل العلمي بتقليص الدعم إلى 300 مليون درهم في حين أن الحقيقة صادمة، مؤداها تعليف الأغنام لتكون جاهزة للتضحية بعائداتها خلال الحملات الانتخابية القادمة.

إن ما يحدث في المغرب، حين يلوذ السياسيون بالتضليل لحماية مصالح منتسبيهم داخل لوبيات المال والاستيراد، يعكس خطراً بنيوياً على المشروع الديمقراطي نفسه، فبدل أن تكون الحكومة ضامنة للعدالة الاجتماعية، تتحول إلى أداة لحماية شبكات المصالح، بينما يتم تسويق الخطاب الاجتماعي لتمويه الحقيقة.

وعليه، يصبح من الضروري ليس فقط مساءلة السياسيين المتورطين في التضليل، بل مساءلة النموذج السياسي والاقتصادي، الذي تتبناه أطراف في الحكومة، والذي يجعل من المال شرطًا للنفوذ، ويحوّل الديمقراطية إلى مسرحية شكلية.

فاستعادة الثقة في السياسة لا تمر عبر وجوه تتقن الإنكار، بل عبر إصلاحات جذرية تكسر تحالف المال والسلطة، وتُعيد توزيع الثروة على أسس عادلة وشفافة.

حينها فقط يمكن الحديث عن حكومة مواطنة حقيقية، لا حكومة تسوّق الوهم وتستّره بشعارات الإنصاف والتضامن.


#عادل_تشيكيطو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى