
يواصل الزملاء والزميلات، بجميع هيئات المحامين بالمغرب، معركة الكرامة في مواجهة شريفة، بروح نُبل مهنة ضاربة في التاريخ، تصديًا للمقاربة الانفرادية المعتمدة في صياغة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.
وتجدر الإشارة، بداية، إلى أن هذه المعركة، بحمولتها الحقوقية المؤسسة دستوريًا، تهدف بالأساس إلى صون الحقوق والحريات، من خلال الدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة وتجردها، وكذا حصانة المحامي المهنية، حتى يضطلع بالمهام المنوطة به دون أي تأثير محتمل من أي جهة كانت، وفق ما هو متعارف عليه في المواثيق الدولية وفي الممارسة المهنية عالميًا.
وبالتالي، فإن من غير المقبول منطقيًا تلك التأويلات التي تدّعي أن معركة المحامين ونضالهم غايتها ومنتهاها الحفاظ على مكتسبات أو امتيازات معينة. ودون الخوض في منطلقات المحاولات اليائسة لتحوير مضمون وسقف المطالب المشروعة في هذا الصدد، وكذا الأساليب المكشوفة للنيل من وحدة الصف المهني، عبر اختلاق أجهزة بديلة للمحاور والمخاطب الأساس، في محاولة للضرب في مشروعيته وطريقة تدبير الحوار، قبل الإعلان عن اللامشروعية القانونية لمشروع أحادي الرؤية، تضييقي التوجه، يمس حجر الزاوية في ضمان شروط المحاكمة العادلة، والمتمثل في استقلال المحامي.
إذ لا يُعقل سن قواعد قانونية رقابية ترقى إلى مستوى فرض سلطوي لمركز قانوني لطرف في الخصومة الجنائية، يُفترض فيه أن يكون خصمًا شريفًا للمحامي في محراب العدالة، بمناسبة أداء رسالة الدفاع. ولا غرو في القول إن مرتكزات الوفاء بأمانة الدفاع عن الحقوق والحريات تظل رهينة بضمان استقلال المحامي، سواء ماديًا، أو من حيث إسناد الرقابة على ممارسته المهنية، وكذا من خلال ضمان حصانته المهنية، وهي أمور تدخل ضمن دائرة المسلّمات غير القابلة لأي مساومة أو تفاوض.
ولعل هذا هو جوهر احتدام الموقف، في ظل تعنت من يعتقد، عن جهالة أو ربما بثقة زائدة، أنه قادر على فرض الأمر الواقع، بما قد يعصف بما حققته بلادنا في مسار بناء دولة الحق والقانون. وكما هو معلوم، فإن القضايا العادلة لا بد أن تنتصر يومًا، غير أن الظرفية الراهنة، وحساسيتها تجاه الانعكاسات السلبية لاختيار التوقف الشامل عن أداء مهام المحامي بالمحاكم، وما قد يستتبع ذلك من أشكال نضالية، قد تصل إلى احتمال تقديم السادة النقباء لاستقالة جماعية، كلها معطيات تستدعي تدخل عقلاء وحكماء هذا الوطن، لاحتواء الوضع والحد من العواقب الوخيمة على منظومة العدالة ومكتسباتها الإصلاحية، صونًا للمصالح العليا للوطن، التي لا تخضع أبدًا للمزايدة أو للمغامرات غير المحسوبة، في ظل تربص أعداء الوطن، وما أكثرهم اليوم.
ومن منطلق الغيرة الصادقة، وشرف الانتساب إلى مهنة الدفاع عن قناعة راسخة لا تنفصل عن حب الوطن والدفاع عن ثوابته، أتوجه إلى السادة النقباء الأجلاء، وكافة الزميلات والزملاء، كلٌّ من موقعه ومسؤوليته المهنية، برسالة خاصة تعبّر عن الاعتزاز بمواقفهم الثابتة والمستميتة دفاعًا عن روح رسالة الدفاع. ونتوسم في تتويج هذا المسار النضالي استحضار روح الوحدة والتماسك، التي ستُذلّل وتهوّن من هول الانتقادات، غير المؤثرة بطبيعة الحال في وطنيتكم الصادقة، المعبَّر عنها في العديد من بلاغات جمعية هيئات المحامين بالمغرب، والداعمة للقضايا الوطنية الكبرى ذات الأولوية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية، التي تُوّجت بإعلان عيد الوحدة الوطني بتاريخ 31 أكتوبر 2025.
كما أهيب بجميع الزميلات والزملاء، بكل احترام وتقدير، إلى رفع درجة اليقظة، وعدم الانسياق وراء الاستفزازات المحتملة، مع الحفاظ على الصورة المشرفة التي بصمت عليها قيادات المهنة، في الترافع عن شرفها عبر مختلف المراحل، بدماثة الأخلاق وقوة المنافحة. ولا شك أنكم أهلٌ لذلك، بما تملكونه من ملكة الخطابة والكلمة الفصل.
هذا، مع التذكير بأن الصعوبات المتوقعة تفرض علينا جميعًا دعم مختلف المبادرات، سواء القطاعية أو الفردية، ما دامت لا تتعارض في جوهرها أو مضمونها مع الجبهة التي فوضناها، عبر التاريخ المهني، تأطير مسارات معارك مهنة المحاماة، والمتمثلة في جمعية هيئات المحامين بالمغرب، بمعية السادة النقباء وأعضاء مجالس الهيئات المؤسسة لها، والتي اختارت، عن صواب، الدفاع عن مواقفها المتداول بشأنها ديمقراطيًا، والانفتاح على مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسسات الدستورية المعنية، ممن أبدوا استعدادهم لفتح نقاش جاد ومسؤول في الموضوع. وهو أمر إيجابي تستلزمه آليات الفعالية في تدبير التفاوض، لكسب رهان معركة عادلة وذات مصداقية، ينبغي التعريف بها دون قيد أو شرط، بعيدًا عن أي لباس إيديولوجي أو فئوي، خلافًا لما قد يعتقده البعض.
وعاشت مهنة المحاماة حرة مستقلة.
بقلم: الأستاذ يونس أبوسكسو محام بهيئة مراكش



