
في السياسة كما في الطبيعة، لا تكفي الهشاشة الظاهرة لتوقع الانهيار، بل أحيانا تكون العواصف الصامتة أكثر قدرة على تفكيك التوازنات القائمة.
هذا ما يبدو أنه يحدث اليوم داخل بيت حزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم الحوز، حيث تتكاثف مؤشرات توحي بأن مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق قد بدأت، لكن بكلفة سياسية غير مضمونة العواقب.
المعطيات المتداولة في الكواليس السياسية بالإقليم تفيد باقتراب منح التزكية للحسين الاجوادي ، رئيس جماعة عبد الله غياث، لخوض غمار الانتخابات التشريعية المقبلة، في تحول لافت مقارنة بما كان يُعتبر إلى وقت قريب “تحصيل حاصل” لصالح البرلماني الحالي السعيد الكورش، او إمكانية المراهنة على جواد الهلالي الذي يشغل منصب المنسق الاقليمي للحوز ونائب رئيس الجهة.
هذا التحول لم يُقرأ باعتباره مجرد تغيير تقني في الأسماء، بل كإشارة قوية على مراجعة أعمق في تموقعات الحزب محلياً، ما أثار حالة من التوجس في صفوف عدد من رؤساء الجماعات المنتمين للحزب، الذين باتوا يشعرون بأن قواعد اللعبة السياسية لم تعد كما كانت.
داخل هذا السياق، برزت في الكواليس تعبيرات تختزل حجم القلق، من قبيل “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”، في إشارة إلى إحساس متنامٍ لدى بعض المنتخبين بأن ما يجري يتجاوز إعادة الترتيب العادي ليصل إلى ما يشبه “إعادة تشكيل قسري” لموازين القوة داخل الحزب.
فبين من يصف ما يحدث بأنه تدبير مرحلي تفرضه رهانات المرحلة المقبلة، ومن يراه “انقلاباً هادئاً” ، يتضح أن منسوب الثقة داخل التنظيم يعرف اهتزازا ملحوظاً، قد تكون له تداعيات مباشرة على الجاهزية الانتخابية للحزب بالإقليم.
وفي خضم هذه التطورات، عُلم أن المنسق الجهوي للحزب يعقد، اليوم الخميس، اجتماعا عاجلا بمتابة تدخل جراحي لاستئصال “ورم التزكية”مع عدد من رؤساء الجماعات الترابية بإقليم الحوز، ومحاولة لبحث وجهات النظر وتدارس آخر المستجدات السياسية داخل الحزب.
ويُرتقب أن يشكل هذا اللقاء محطة مفصلية، إما في اتجاه احتواء الخلافات وإعادة بناء الحد الأدنى من التوافق، أو في اتجاه تكريس واقع الانقسام الصامت الذي بدأ يطفو على السطح.
وضمن السيناريوهات المتداولة، يبرز ما يمكن تسميته بـ”الترحيل القسري السياسي”، والذي لا يعني بالضرورة مغادرة الحزب، بل إعادة توزيع الأدوار عبر إبعاد بعض الوجوه من مواقع القرار المحلي، مقابل الدفع بأسماء جديدة تراهن عليها القيادة الجهوية.
غير أن هذا الخيار، وإن بدا تنظيمياً في ظاهره، يحمل في عمقه مخاطر سياسية واضحة، لأن الأعشاش الانتخابية لا تُبنى فقط عبر التزكيات، بل عبر تراكم الثقة والعلاقات الميدانية. وعندما يشعر منتخبون، خصوصاً رؤساء الجماعات، بأنهم قابلون للإزاحة في أي لحظة، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على منسوب التعبئة، بل وقد يدفع إلى ردود فعل غير متوقعة داخل القواعد المحلية.
أمام هذه المعطيات، لم يعد النقاش في إقليم الحوز محصورا في اسم المرشح الذي سيحصل على التزكية، بل انتقل إلى مستوى أعمق: من سيحافظ على موقعه داخل “بيت الحمامة”، ومن سيجد نفسه خارجه؟
سؤال يحمل في طياته أكثر من مجرد صراع انتخابي، بل يعكس لحظة مفصلية في مسار الحزب بالإقليم، حيث تتقاطع رهانات التشريعيات المقبلة مع ضرورة الحفاظ على تماسك البيت الداخلي.
وفي انتظار ما سيسفر عنه اجتماع اليوم، يبقى المؤكد أن العاصفة لم تعد مجرد احتمال، بل واقع يتشكل تدريجياً، وقد يحدد مآلات واحدة من أبرز الدوائر الانتخابية في جهة مراكش-آسفي.



