
عبد الكريم علاوي –بجبال الحوز، حيث تتجاور الطبيعة القاسية مع دواوير متباعدة، انتهت حياة الشاب مصطفى أيت وكريم، المنحدر من دوار أنمر بجماعة أمكدال والقاطن بمنطقة المحاميد بمراكش ، إثر تعرضه للدغة أفعى سامة أثناء تجوله في الحقول الزراعية.
حادث يبدو، في ظاهره، كواقعة طبيعية مرتبطة بانتشار الزواحف السامة في المناطق الجبلية، لكنه سرعان ما يتحول إلى قضية إنسانية وصحية تطرح أسئلة ثقيلة حول مدى جاهزية المنظومة الصحية للتعامل مع مثل هذه الحالات، وحول المسافة الفاصلة بين وقوع الخطر والوصول إلى العلاج المنقذ للحياة.
فبين صلاة الظهر والمغرب، انتهت حياة مصطفى، بينما بقيت أسئلة كثيرة معلقة حول رحلة البحث عن الإنقاذ، ومدى سرعة ونجاعة التدخل الطبي، وقدرة المؤسسات الصحية القريبة من المناطق الجبلية على التعامل مع حالات التسمم الناتجة عن لدغات الأفاعي.
والسؤال هنا ليس فقط: لماذا وقعت اللدغة؟
بل أيضاً: ماذا يحدث بعد اللدغة؟
هل تتوفر المراكز الصحية والمستشفيات التي تستقبل سكان المناطق الجبلية على الوسائل الضرورية للتعامل السريع مع هذه الحالات؟ وهل توجد منظومة واضحة للتكفل بضحايا لدغات الأفاعي، خصوصاً في المناطق المعروفة بوجود الزواحف السامة؟ وهل المسار بين الحوز ومراكش مجهز بما يكفي لضمان عدم تحول الدقائق والساعات إلى فارق بين الحياة والموت؟
إن وفاة مصطفى لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد حادث عرضي فرضته الطبيعة. فالمناطق الجبلية بالحوز تعرف، بحكم طبيعتها ومناخها وتضاريسها، وجود أنواع من الزواحف التي قد تشكل خطراً على السكان، وهو ما يجعل الاستعداد المسبق لمثل هذه الحالات جزءاً من مسؤولية الوقاية الصحية، وليس ترفاً يمكن تأجيله.
والعتاب هنا ليس على الطبيعة، ولا على الأفعى التي تحركت وفق غريزتها، وإنما على منظومة يفترض أن تكون مستعدة للتعامل مع المخاطر المعروفة.
فحين يعرف المسؤولون أن مناطق معينة تشهد انتشار الأفاعي والعقارب، فإن السؤال المشروع هو: ماذا أُعدّ لهذه المناطق؟ وأين توجد الأمصال المضادة للسموم؟ وما هي آليات الإحالة والاستعجال؟ وكم يحتاج المصاب فعلياً للوصول إلى مؤسسة قادرة على إنقاذه؟
هذه الأسئلة تزداد إلحاحاً عندما يتعلق الأمر بمواطن يعيش في منطقة جبلية، حيث لا تكون المسافة مجرد عدد من الكيلومترات، بل قد تتحول إلى رحلة شاقة بين الدوار والمركز الصحي، ثم المستشفى، وربما مراكش، في سباق مع الزمن.
وفي الوقت الذي بدأت فيه طبول الانتخابات تُسمع في مختلف المناطق، وتعلو الوعود حول التنمية والعدالة المجالية وتحسين الخدمات العمومية، تأتي وفاة مصطفى لتذكر الجميع بأن العدالة المجالية لا تقاس فقط بالطرقات والمشاريع واللافتات الانتخابية، وإنما أيضاً بقدرة المواطن الموجود في أبعد دوار على الحصول على العلاج في الوقت المناسب عندما يتعرض لخطر يهدد حياته.
الحوز لا يحتاج فقط إلى أن يكون حاضراً في الخطب والبرامج الانتخابية؛ بل يحتاج إلى أن يكون حاضراً في أجندة الصحة العمومية، وفي خطط الاستعجال، وفي توفير التجهيزات والأدوية والأمصال، وفي ضمان نقل المرضى والمصابين بسرعة وفعالية.
رحل مصطفى أيت وكريم، وفي رحيله حزن أسرة ودوار وأصدقاء، لكن خلف هذا الحزن سؤال أكبر من حادثة فردية: هل كان يمكن إنقاذه لو كانت رحلة العلاج أسرع وأكثر نجاعة؟
لا أحد يملك، في هذه اللحظة، جواباً قاطعاً عن هذا السؤال دون تحقيق طبي وإداري دقيق يحدد ظروف التكفل به منذ لحظة تعرضه للدغة إلى لحظة وفاته. لكن من حق أسرته، ومن حق سكان أمكدال والحوز، ومن حق الرأي العام، أن يعرفوا ماذا جرى، وأن تُفتح الأبحاث اللازمة لتحديد مكامن الخلل إن وُجدت.
فدماء مصطفى لا ينبغي أن تتحول إلى رقم جديد في سجل الحوادث المنسية.
المطلوب اليوم ليس توزيع المسؤوليات أو إطلاق الاتهامات، وإنما فتح نقاش جدي ومسؤول حول جاهزية المنظومة الصحية بالحوز للتعامل مع لدغات الأفاعي والتسممات الخطيرة، وضمان وصول العلاج في الوقت المناسب إلى سكان المناطق الجبلية.
أما الانتخابات، فستمر كما مرت سابقاتها، وستتغير الوجوه والشعارات.
لكن سكان الجبال سيبقون هناك.
وسيظل السؤال قائماً: حين يواجه مواطن في دوار بعيد الموت بين الظهر والمغرب، هل يجد الدولة قريبة منه بما يكفي لإنقاذه؟



