افتتاحية غير بريئة.. عندما تتحول القناعة السياسية إلى وصاية على الاختيار الانتخابي

ليس الإشكال في أن يعلن أي شخص دعمه لحزب سياسي، فاختيار الانتماء والتعبير عن الموقف حق يكفله القانون، ولا ينبغي أن يكون موضوعاً للمساءلة لمجرد اختلاف الآراء.
لكن المسألة تأخذ أبعاداً أخرى عندما يتعلق الأمر بمسؤول يقود مجموعة إعلامية ويدير مؤسسات صحافية متعددة، خصوصاً في مرحلة انتخابية يفترض أن تحظى فيها المنافسة السياسية بالتوازن والحياد، وأن تترك للناخب مساحة كافية لتكوين قناعته بعيداً عن أي تأثير يوحي بأن خياراً معيناً يحظى بمشروعية استثنائية.
فحين تتحدث افتتاحية إعلامية عن حاجة المغرب إلى حكومة قادرة على حمل طموح الملك والشعب، ثم تنتقل إلى تقديم حزب بعينه باعتباره «الأفضل تموقعاً» لتجسيد هذا الطموح، فإن الأمر يتجاوز حدود التعبير عن تفضيل سياسي شخصي، ويفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول حدود المسؤولية الإعلامية ومشروعية الحديث باسم الإرادة العامة.
من يملك حق تحديد الحزب الذي يجسد طموحات المغاربة؟ ومن يمنح رأياً تحريرياً خاصاً صفة الاختيار الوطني؟
هذه الأسئلة لا تستهدف حق أي ناشر أو صحافي في التعبير عن موقفه، وإنما تتعلق بالتمييز بين الرأي الشخصي والخطاب الذي قد يوحي للمتلقي بأن جهة إعلامية ما تتحدث من موقع تمثيلي يتجاوز اختصاصها.
واللافت أن الافتتاحية نفسها تشير إلى أن الحزب الذي وقع عليه الاختيار ما زال مطالباً بتحويل هويته إلى مشروع ذي مصداقية. وهنا يبرز تناقض يستحق النقاش: كيف يمكن تقديم حزب باعتباره الخيار الأفضل، في الوقت الذي يُقر فيه الخطاب نفسه بأن مشروعه لا يزال بحاجة إلى إثبات المصداقية؟
أما الحديث عن القيم والحداثة والهوية المغربية، فلا ينبغي أن يظل محصوراً في العبارات والشعارات. فالقيم السياسية تُقاس أيضاً بمدى انسجام الممارسة مع المبادئ المعلنة، وبالقدرة على تقديم نماذج تحترم التعدد والاختلاف وتكافؤ الفرص.
إن دعم حزب سياسي لا يمنح صاحبه حق احتكار الحديث باسم المغاربة، كما أن الإعجاب بتوجه معين لا يبرر تقديمه باعتباره التعبير الوحيد عن الإرادة الوطنية.
فالملك يعبر عن توجهاته من خلال خطبه ومؤسسات الدولة، والمغاربة يعبرون عن اختياراتهم عبر صناديق الاقتراع. وبين هذا وذاك، تظل المؤسسات الإعلامية مطالبة بالتمييز بين الرأي والتحليل والتوجيه، واحترام حق المواطن في اتخاذ قراره دون وصاية.
يمكنك أن تدعم من تشاء، وأن تدافع عن مشروعك السياسي بكل وضوح، لكن لا تجعل من موقفك الخاص حقيقة وطنية، ولا تحول المنبر الإعلامي إلى أداة لإضفاء الشرعية المسبقة على اختيار لم تحسمه صناديق الاقتراع بعد.



