
تندرج الاجتماعات التي باشرها والي جهة مراكش-آسفي، الخطيب الهبيل، مع رؤساء الجماعات القروية التابعة لدوائر لوداية وسعادة والويدان، ضمن سياق مؤسساتي أوسع أطلقته وزارة الداخلية المغربية يوم 13 نونبر 2025، والمتعلق بإعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. وبذلك، لا يمكن اختزال هذه اللقاءات في بعدها التدبيري، بل ينبغي قراءتها كحلقة متقدمة في مسار الانتقال من التشاور إلى التشخيص الميداني للإكراهات.
وقد شكلت المرحلة الأولى من هذا المسار، والمتمثلة في اللقاءات التشاورية، لحظة تأسيسية لإشراك الفاعلين المحليين في تحديد أولويات التنمية وفق مقاربة تشاركية. غير أن الرهان الحقيقي ظل مرتبطًا بمدى القدرة على تحويل هذا التراكم التشاوري إلى سياسات عملية قادرة على معالجة الاختلالات البنيوية، وهو ما يمنح هذه الاجتماعات بعدها العملي باعتبارها مرحلة لتفكيك معيقات التنزيل.
وتعكس طبيعة القضايا التي طُرحت خلال هذه اللقاءات، وعلى رأسها إشكالية العقار والبنية التحتية، تحولًا واضحًا في مستوى النقاش، من الطرح العام إلى التركيز على المعيقات الفعلية التي تعيق الاستثمار وتحد من إدماج هذه المجالات في الدورة الاقتصادية.
كما أن اعتماد والي الجهة أسلوب الإنصات المباشر لرؤساء الجماعات، خاصة بجماعات السعادة، السويهلة، أولاد الدليم، الويدان، سيدي إبراهيم وأولاد حسون، يعكس تطورًا في منطق الحكامة الترابية، حيث يتم إشراك المنتخبين في تشخيص الإشكالات وصياغة الحلول.
ويبرز التركيز على الجماعات المحيطة بمدينة مراكش وعيا متزايداً بضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين المجال الحضري ومحيطه القروي وشبه الحضري، في ظل ضغط عمراني متسارع وتزايد الطلب على الاستثمار. غير أن تحقيق هذا الإدماج يظل رهينًا بحل إشكالات بنيوية، في مقدمتها العقار والتخطيط العمراني.
كما تكشف هذه الاجتماعات عن الدور المتنامي للسلطة الجهوية في قيادة وتنسيق الأوراش الكبرى، حيث لم يعد دور الوالي يقتصر على التدبير الإداري، بل أصبح فاعلًا محوريًا في ضمان التقائية السياسات العمومية وتتبع تنفيذها ميدانيًا، في إطار تعزيز دور وزارة الداخلية في تأطير الدينامية التنموية.
وفي العمق، تعكس هذه اللقاءات توجهاً نحو تجاوز المقاربات القطاعية الضيقة، واعتماد رؤية مجالية شمولية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل دائرة ترابية، وتضمن انسجامها ضمن النسيج العام للجهة.
وعليه، فإن اجتماعات والي الجهة الخطيب الهبيل مع رؤساء الجماعات القروية بدوائر لوداية وسعادة والويدان تمثل خطوة عملية ضمن مسار إعادة بناء أسس التدبير الترابي المندمج، القائم على التشخيص الدقيق للإكراهات ومعالجتها، وتحويل هذه المجالات إلى رافعة حقيقية للتنمية.
ويبقى التحدي الأساسي هو ترجمة هذا التوجه إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، بما يكرس العدالة المجالية، ويؤسس لنموذج تنموي متوازن، قائم على الاندماج بدل الفوارق.



