الذكرى 70 لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني … قراءة في الدلالة الرقمية

عبد الجليل الرميتي/تحل الذكرى السبعون لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني باعتبارها محطة وطنية ذات حمولة رمزية، تاريخية ومؤسساتية عميقة، تجسد في ثناياها مسار دولة جعلت من الأمن أحد أعمدة الاستقرار والتنمية، فسبعة عقود ليست مجرد امتداد زمني داخل التقويم الإداري وإنما تجربة تاريخية راكمت التحولات، وواكبت تغير المجتمع المغربي وانتقلت بالمؤسسة الأمنية إلى أدوار أكثر تعقيدا ترتبط بالأمن الاستباقي، ومحاربة الجريمة العابرة للحدود، والأمن الرقمي، والتعاون الاستخباراتي، والدبلوماسية الأمنية الدولية.
في علم الأرقام والثقافات الإنسانية يحضر الرقم سبعون باعتباره رقم النضج والاكتمال والرسوخ، ففي العديد من الحضارات القديمة ارتبط الرقم سبعة بالحكمة والكمال والدورات الكبرى للحياة، فيما يمنح الصفر امتدادا دلاليا يعكس الاستمرارية واتساع الأثر، لهذا فإن بلوغ سبعين سنة بالنسبة لمؤسسة أمنية يعني الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة العمق المؤسساتي والخبرة التاريخية، حيث تصبح المؤسسة جزءا من الذاكرة الوطنية ومن البناء الاستراتيجي للدولة الحديثة.
هذا المعنى يتجسد بوضوح في التحولات التي شهدها المغرب خلال السنوات الإحدى عشر تحت القيادة الأمنية للمدير العام عبد اللطيف حموشي، والتي جعلت التجربة الأمنية المغربية تحظى باحترام دولي متزايد، فكل إشادة أو تكريم دولي للكفاءة الأمنية المغربية يتحول إلى مصدر اعتزاز جماعي للمغاربة، لأن الأمر يتعلق بصورة دولة استطاعت بناء نموذج أمني يجمع بين الفعالية، والاستباق، والاحترافية، والانفتاح على المعايير الدولية الحديثة.
ففي علم الأرقام أو ما يعرف بالـNumerology، ينظر إلى الرقم 11 باعتباره رقما ذا حمولة رمزية خاصة، حيث يصنف ضمن الأرقام الرئيسة التي يعتقد أنها تحمل طاقة معنوية أعلى من غيرها من الأرقام، ويربط هذا الرقم في التأويلات الرمزية بمفاهيم الحدس والرؤية الداخلية والقدرة على استشراف التحولات قبل وقوعها، كما يعتبر عند بعض المدارس رقما يعكس القيادة ذات البعد الإلهامي، أي القيادة القائمة على الفكرة والتأثير المعنوي أكثر من السلطة المباشرة.
كما ينظر إلى الرقم 11 باعتباره تعبيرا عن حالة توازن دقيق بين قوتين متقابلتين، بحكم تكونه من رقمين متماثلين، ما يجعله في بعض القراءات رمزا للازدواجية المنسجمة بين العقل والحدس، أو بين الفعل والرؤية، ومن هذا المنظور الرمزي يمكن إسقاط هذا التصور على مسار المدير العام عبد اللطيف حموشي خلال السنوات الإحدى عشرة التي قضاها على رأس المديرية العامة للأمن الوطني باعتبارها مرحلة اتسمت بتكريس رؤية أمنية حديثة قائمة على التوازن بين الفعل الميداني المباشر والاشتغال الاستراتيجي العميق، وبين الاستجابة الآنية للتحديات الأمنية وتعزيز المقاربة الاستباقية طويلة المدى.
كما عرفت هذه المرحلة دينامية واضحة في تحديث البنيات الأمنية، وتطوير أساليب العمل، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي على المستويين الإقليمي والدولي، بما يعكس انتقال المؤسسة إلى منطق الفعل الأمني القائم على الرؤية والتخطيط والاستشراف، في سياق رسخ صورة الأمن المغربي كجهاز حديث وفعال داخل منظومة الأمن الوطني والدولي.
وفي قلب هذه الدينامية الوطنية برزت مدينة مراكش كنموذج لتحول أمني وتنظيمي لافت خلال المرحلة الأخيرة، خاصة مع تولي الوالي محمد مشيشو مسؤولية تدبير الشأن الأمني بالمدينة، واليوم يكون قد أكمل 570 يوما على رأس ولاية الأمن، وهي مدة تحمل في ظاهرها رقما زمنيا عاديا، غير أنها في القراءة المؤسساتية تعكس مرحلة كاملة من إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الحضور الميداني، ورفع الجاهزية الأمنية، وتكريس البعد الاستباقي في التعامل مع مختلف التحديات الأمنية التي تفرضها مدينة بحجم ورمزية مراكش.
فالرقم 570 يحمل بدوره دلالات رمزية في علم الأرقام والثقافات، فالرقم خمسة يرتبط بالحركة والتحول والدينامية، فيما يرتبط الرقم سبعة بالنضج والحكمة والقدرة على تحقيق التوازن، أما الصفر فيمثل الاستمرارية واتساع المجال، وعند جمع هذه الرموز داخل رقم واحد، تتشكل دلالة مرتبطة بمرحلة انتقالية ناجحة نحو بناء توازن جديد أكثر رسوخا، ومن زاوية تقنية يمكن قراءة 570 يوما باعتبارها مدة كافية لظهور أثر الرؤية والتدبير والانسجام المؤسساتي داخل المجال الأمني.
وقد عاشت مراكش خلال هذه المرحلة تحولات أمنية وتنظيمية واضحة، سواء من حيث تعزيز الإحساس بالأمن، أو مواكبة التظاهرات الكبرى، أو تطوير سرعة التدخل والتنسيق الميداني، أو من خلال تدبير الأحداث الدولية ذات الحساسية الأمنية العالية، ويبرز في هذا السياق النجاح التنظيمي والأمني الذي حققته المدينة خلال احتضان اجتماعات ومؤتمرات دولية كبرى وفي مقدمتها مؤتمر المنظمة الدولية للشرطة الجنائية الإنتربول، الذي شكل لحظة دولية عكست قدرة المغرب على تأمين التظاهرات العالمية وفق أعلى المعايير المهنية والتنظيمية.
إن نجاح التظاهرات الأمنية والدبلوماسية الدولية يعكس صورة الدولة وقدرتها على إنتاج الثقة والاستقرار والمساهمة في التنمية، فالأمن في الدولة الحديثة لم يعد وظيفة مرتبطة فقط بمواجهة الجريمة وإنما أصبح ركيزة أساسية في التنمية، والاستثمار، والسياحة، وجاذبية المدن، والاستقرار الاجتماعي، لهذا تحولت المؤسسة الأمنية المغربية إلى فاعل استراتيجي داخل المشروع التنموي الجديد خصوصا في مدن ذات إشعاع عالمي مثل مراكش.
ويأتي هذا التطور الأمني الذي شهدته مراكش نتيجة ثمرة عمل تراكمي ممتد عبر سنوات، ساهمت فيه أجيال من المسؤولين الأمنيين الذين اشتغلوا بمنطق الاستمرارية المؤسساتية وتكامل الأدوار داخل مختلف المصالح والمناطق الأمنية، فنجاح المنظومة الأمنية لا يصنعه شخص واحد، وإنما يتشكل من خلال تراكم الخبرات، وتناقل التجارب، وترسيخ ثقافة مهنية قائمة على الانضباط والجاهزية والتنسيق الميداني.
وفي هذا السياق، تبرز أسماء بصمت المشهد الأمني المحلي من خلال مساهمتها في تعزيز الحضور الأمني وتطوير آليات التدخل والتواصل، من بينهم ( لا للحصر) رؤساء المناطق الأمنية عبد الواحد المازوني، حميد زروال، وعبد الصادق أوعابد، سمير بن شويخ، إضافة إلى نور الدين جبران الذي اضطلع بدور مهم في مواكبة التنسيق الإداري والتنظيمي داخل ولاية الأمن خلال مرحلة دقيقة من تطور العمل الأمني بالمدينة.
كما أن استمرارية الأداء الأمني الفعال تجد امتدادها اليوم عبر كفاءات أمنية تواصل تدبير المجال الأمني بروح الانسجام المؤسساتي والاستمرارية المهنية، من خلال مسؤولين واصلوا الاشتغال الميداني بنفس منطق القرب واليقظة، من بينهم أنور الزين رئيس الشرطة القضائية هشام فرحات وجمال الزوهيري رؤساء المنطقتين الأمنيتين الأكثر شساعة مساحة، في صورة تعكس أن المؤسسة الأمنية المغربية تشتغل وفق منطق الدولة والمؤسسة، حيث تتكامل الأدوار وتتراكم التجارب بما يضمن استمرارية الأداء واستقرار المنظومة الأمنية.
فجمال الزوهيري، الذي عين يوم 20 غشت 2021 على رأس المنطقة الأمنية المنارة بمدينة مراكش، أي ما يعادل 1730 يوما، يمكن مقاربة تجربته إبتداء من زاوية رمزية وتراكمية باعتبار هذه المدة زمنا يعكس استمرارية الأداء داخل مسار مهني في تدبير مسؤولية أمنية ذات طابع حضري معقد، أولا هذا الرقم 1730 له إرتباط وطيد بالأرقام السابقة ذكرها، وفي علم الأرقام يفكك الرقم 1730 إلى مكوناته الأساسية، حيث يحيل الرقم 1 على روح القيادة وتحمل المسؤولية وبداية المسار، بينما الرقم 7 هنا يعكس العمق في التفكير والنضج في اتخاذ القرار وحسن قراءة المعطيات، في حين يدل الرقم 3 على الدينامية والتواصل والتفاعل الميداني، أما الرقم 0 فيرمز إلى الإتساع والاستمرارية وامتداد الأثر داخل الزمن المؤسساتي دون انقطاع.
ويمكن أيضا جمع هذه الأرقام 1+7+3+0 للحصول على المجموع الكلي 11، وهو رقم ذو خصوصية في علم الأرقام، وقد تحدثنا عليه أعلاه وهو منسوخ هنا ليس صدفة ولكن لأن الإستراتيجية العامة للمدير العام عبد اللطيف حموشي منسوخة بطريقة احتريافية على مستوى المنطقة الأمنية المنارة، فإذا كان هذا الرقم يعتبر من الأرقام الماستر التي ترتبط بالحدس العالي والبصيرة العميقة والقدرة على استشراف المعطيات قبل تشكلها النهائي، إضافة إلى ما يحمله من دلالة على القوة في قراءة المحيط والقدرة على التفاعل الدقيق مع التحولات، فهذا البعد الرمزي يمنح للرقم بعدا يتجاوز الحساب الرياضي نحو قراءة دلالية ميدانية أكثر عمقا.
وانطلاقا من هذا ، يمكن ربط دلالة 1730 يوما بالمسار المهني لجمال الزوهيري، الذي راكم خلال هذه المرحلة تجربة تدبيرية معتبرة في مجال أمني حضري يتسم بالكثافة والتعقيد وتعدد الإكراهات، حيث نجح في تدبير هذه المسؤولية بكفاءة ميدانية واضحة، عبر اعتماد مقاربة تقوم على الحضور الميداني، واليقظة المستمرة، والتواصل الفعال، وسرعة التدخل، وتعزيز التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية، لأن خصوصية المنطقة الأمنية المنارة تفرض أسلوب عمل مرنا وفعالا، يوازن بين الحزم في تطبيق القانون والنجاعة في التدبير.
خلاصة قبل الختم، تبرز أمامنا ثلاث دلالات رقمية متداخلة داخل هذا المسار الرمزي والمؤسساتي، وهي 11 و570 و1730، وعند جمعها نحصل على المجموع الكلي1 231 وهو رقم يقودنا بدوره إلى الرقم 7 من خلال جمع مكوناته: 2+3+1+1=7، ليعود الرقم سبعة مرة أخرى باعتباره الخيط الرمزي الناظم لهذا المسار بأكمله.
فالرقم 7 يحضر في العديد من الثقافات والتأويلات الرمزية باعتباره رقم النضج والحكمة والتوازن والاكتمال، وهو ما يمنح لهذه القراءة بعدا يتجاوز الصدفة الرقمية نحو دلالة مرتبطة بمسار مؤسساتي راكم الخبرة والاستمرارية والقدرة على التكيف مع التحولات، وكأن مختلف هذه المحطات الزمنية من 11 سنة من القيادة الأمنية لعبد اللطيف حموشي إلى 570 يوما من الدينامية الأمنية التي عرفتها مراكش وصولا إلى 1730 يوما من التراكم الميداني داخل المنطقة الأمنية المنارة، تلتقي جميعها رمزيا عند الرقم 7 باعتباره عنوانا للرسوخ المؤسساتي والنضج الأمني.
ومن هذا المنظور، تبدو هذه الأرقام وكأنها تعكس فلسفة اشتغال المؤسسة الأمنية المغربية نفسها، القائمة على التدرج، والتراكم، والاستمرارية، والقدرة على تحقيق التوازن بين الحزم الأمني والرؤية الاستراتيجية بما جعل الأمن المغربي يتحول عبر سبعة عقود إلى نموذج مؤسساتي متقدم، يحظى بالثقة داخليا وبالاحترام والتقدير على المستوى الدولي.
ذكرى تأسيس المديرية العامة للأمن الوطني هي 16 ماي من كل سنة، والدلالة الرقمية للرقم 16 تحمل بدورها امتدادا رمزيا متصلا بنفس الخيط الدلالي الذي طبع مختلف الأرقام السابقة، إذ إن جمع الرقمين 1 و6 يمنح الرقم 7، فالرقم 7 له قداسة خاصة ويعد من أكثر الأرقام حضورا في الذاكرة الإنسانية الجماعية، إذ ارتبط عبر مختلف الديانات والثقافات والحضارات القديمة بدلالات الكمال، والحكمة، والاكتمال، والتوازن، ففي الديانات السماوية يحضر الرقم سبعة بكثافة رمزية لافتة، من السماوات السبع، والطواف سبع مرات، والسعي سبعا، إلى ارتباطه في العديد من النصوص الدينية بمعاني البركة والتمام، كما احتل مكانة خاصة في حضارات قديمة اعتبرت الرقم سبعة رمزا للدورات الكبرى للحياة وللتوازن بين العالم المادي والروحي.
وفي الثقافات الإنسانية عموما ظل الرقم 7 مرتبطا بفكرة النضج والاكتمال، لذلك كثيرا ما استعمل في الفلسفات القديمة والتأويلات الرمزية باعتباره رقما يعكس الحكمة والاستقرار بعد مراحل من التراكم والتجربة، ويحضر أيضا بشكل لافت داخل عدد من الخطب والرسائل الملكية السامية التي غالبا ما تستحضر منطق الأهمية الكبرى، و التوازن، والاكتمال، والاستمرارية في بناء الدولة والمؤسسات، فالرمزية العددية في الخطاب الملكي ليست معطى معزولا عن العمق الحضاري والثقافي المغربي ولكن تدخل أحيانا ضمن البناء الرمزي للرسائل الكبرى المرتبطة بالإصلاح، والاستقرار، وترسيخ الثوابت الوطنية.
ومن هذا المنظور فإن تكرار حضور الرقم 7 داخل مختلف المحطات التي ذكرناها المرتبطة بالمديرية العامة للأمن الوطني، سواء من خلال سبعة عقود من التأسيس، أو عبر الدلالات الرقمية للأرقام الأخرى الواردة في هذا النص، يمنح هذه القراءة بعدا رمزيا يؤكد على أن هذه المؤسسة لها المكانة الكبرى في بناء الدولة المغربية، كما أنها بلغت مرحلة الرسوخ المؤسساتي والنضج المهني، بعد عقود من التراكم والخبرة وخدمة الوطن.
و دلالة 16 ماي بالنسبة لنا كمغاربة فلها دلالة واحدة وهو يوم محفور في الأجندة الوطنية بمداد الفخر والاعتزاز، باعتباره يوما للاحتفاء بالمؤسسة الأمنية المغربية، بما تحمله من رمزية عميقة في خدمة الوطن وصون استقراره، وهو يوم لا يمكن أن يزاحمه أي حدث آخر، لأنه يرتبط بذاكرة مؤسساتية راسخة تجدد فيها معاني التضحية والانضباط واليقظة، وتستحضر فيها مكانة الأمن المغربي كركيزة أساسية في حماية الأمن العام وترسيخ الثقة في الدولة ومؤسساتها.
ونحن نكتب هذه الكلمات تتجدد فينا مشاعر التقدير والاعتزاز بكل نساء ورجال الأمن الذين جعلوا من التضحية والانضباط واليقظة اليومية عنوانا لخدمة الوطن والمواطنين، وبه وجب الإشادة بالمجهودات الأمنية التي تعرفها مراكش في سياق دولي يؤكد أن الأمن المغربي أصبح مدرسة مؤسساتية متقدمة ومرجعا لباقي المؤسسات الأمنية الدولية.



