24 ساعةسلايدرسياسةمجتمع

قانون المحاماة بين المشروعية الدستورية والشرعية السياسية: قرار المحكمة الدستورية فرصة لإعادة بناء التوافق

worldwatercongress.com

عبد الجليل الرميتي- لا تختزل القوانين في لحظة التصويت عليها داخل المؤسسة التشريعية، كما لا تختزل شرعيتها في مجرد مرورها عبر المسطرة الدستورية، فالقانون في الدولة الحديثة يوجد عند تقاطع مستويين متلازمين: مشروعية قانونية ودستورية تحدد مدى مطابقته للقواعد العليا، وشرعية سياسية واجتماعية تقيس درجة القبول به وقدرته على إنتاج الاستقرار والثقة والمؤسسات، ومن هذه الزاوية تحديدا يكتسب قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة دلالته الأوسع.
فالمحكمة الدستورية في قرارها رقم 277/26 م.د لم تدخل في فحص المقتضيات الموضوعية للقانون ولم تقل إن النص مطابق للدستور، كما لم تقض بعدم دستوريته وإنما انتهت إلى تعذر البت في الإحالة بالنظر إلى أن الملف المحال إليها لم يتضمن النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية، وهو ما حال دون تحديد محل الرقابة الدستورية على نحو مستوف لشروطها.
ومن الناحية القانونية الصرفة تبدو المسألة إجرائية: قبل أن تفحص المحكمة دستورية مضمون قانون يتعين عليها أولا أن تتأكد من أن النص المعروض عليها هو النص الذي اكتملت بشأنه عملية التشريع، فالرقابة الدستورية تنصب على القانون النهائي الذي تمت المصادقة عليه وفقا للمقتضيات الدستورية والتنظيمية ذات الصلة.
غير أن أهمية القرار لا تتوقف عند هذا المستوى الإجرائي، فامتناع المحكمة عن الانتقال إلى الجوهر ترك المجال السياسي مفتوحا أمام معالجة ما لم تحسمه الآلية القضائية، وهنا تبرز المفارقة الأساسية في قضية قانون المحاماة: قد يكون النص سليما من الناحية الدستورية ومع ذلك يظل قابلا للنقاش من الناحية السياسية والمهنية، وقد يكون محل اعتراض سياسي واسع من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود عيب دستوري فيه.
وهذا التمييز ضروري في قراءة النقاش العمومي حول القانون، فالدستورية ليست مرادفا للتوافق كما أن غياب التوافق لا يساوي تلقائيا عدم الدستورية، فالمحكمة الدستورية تملك سلطة مراقبة مدى مطابقة القانون للدستور لكنها لا تملك أن تحل محل الفاعلين السياسيين والمهنيين في تحديد ما إذا كانت صيغة تشريعية معينة هي الأفضل سياسيا أو الأكثر قدرة على بناء الثقة بين المؤسسات والمهنيين.
ومن هنا يمكن النظر إلى القرار من منظور سياسي ومؤسساتي باعتباره نافذة جديدة للتوافق.
فبدلا من أن يتحول القانون إلى اختبار قوة بين الحكومة والمحامين، أو إلى مواجهة بين الأغلبية البرلمانية والهيئات المهنية، يمكن استثمار المرحلة التي أتاحها القرار لإعادة فتح النقاش حول المقتضيات الأكثر إثارة للخلاف، ولا يتعلق الأمر هنا بإعادة التفاوض على مبدأ سلطة الدولة في التشريع ولا بمنح أي هيئة مهنية حق تعطيل القانون وإنما بإعادة النظر في كيفية تحقيق التوازن بين المصالح والمبادئ التي تتقاطع داخل تنظيم مهنة المحاماة.
فالمحاماة ليست مجرد مهنة عادية يمكن تنظيمها بمنطق إداري محض، فهي ترتبط مباشرة بحقوق الدفاع، والولوج إلى العدالة، وحماية حقوق المتقاضين، واستقلال المهنة، وفي الوقت نفسه بحسن سير العدالة واحترام القواعد المهنية، ولذلك فإن أي تشريع ينظمها يحتاج إلى جانب سلامته الدستورية إلى قدر مرتفع من القبول المهني والمؤسساتي.
وفي هذا السياق، يصبح مفهوم التوافق أكثر راهنية، فالتوافق لا يعني أن تتراجع الدولة عن صلاحياتها التشريعية كما لا يعني أن تحصل الهيئات المهنية على حق الفيتو تجاه البرلمان، وإنما يعني أن تستعمل المؤسسات السياسية ما لديها من مجال تقديري لصناعة نص أكثر توازنا يقلل من مناطق الاحتكاك ويزيد من فرص التطبيق المستقر.
والواقع أن القوانين التي تمس مهن العدالة تحتاج بصورة خاصة إلى هذا النوع من التوازن لأن تطبيقها لا يتم في فراغ مؤسساتي، وإنما داخل منظومة تضم القضاء، والنيابة العامة، والمحامين، والمتقاضين، والإدارة، والبرلمان والحكومة، وكل اختلال في العلاقة بين هذه المكونات يمكن أن يحول نصا قانونيا صحيحا من الناحية الشكلية إلى مصدر مستمر للنزاع من الناحية العملية.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال السياسي الذي يفرض نفسه بعد قرار المحكمة الدستورية ليس: هل انتصر المحامون أم الحكومة؟ بل هل تستطيع الأطراف تحويل هذا التعثر الإجرائي إلى فرصة لبناء قانون أكثر توافقا واستدامة؟
وهذا السؤال أكثر أهمية من محاولة تحميل القرار القضائي دلالات لم يقل بها، فالمحكمة لم تمنح أحدا انتصارا سياسيا ولم توجه اتهاما إلى جهة ولم تحسم جوهر الخلاف، وما فعلته هو أنها أوقفت مسار الفحص الدستوري عند حدوده الإجرائية تاركة المجال أمام استكمال المسطرة وفق شروطها القانونية.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة يفترض أن تقرأ باعتبارها مرحلة مسؤولية سياسية وتشريعية، فإذا أعيدت الإحالة بالنص النهائي نفسه بعد استكمال الشروط الشكلية فإن المحكمة ستكون قادرة على ممارسة رقابتها الموضوعية، أما إذا استثمرت المرحلة لإعادة النظر في بعض المقتضيات المختلف حولها فإن القانون يمكن أن يعود إلى المسار الدستوري في صيغة أكثر قدرة على استيعاب الاعتراضات.
وهنا تظهر قيمة التوافق بوصفه أداة للحكامة التشريعية لا مجرد تسوية ظرفية، فالتشريع الجيد ليس هو الذي ينتصر فيه طرف على طرف وإنما هو الذي يستطيع بعد دخوله حيز التنفيذ أن يعمل داخل المؤسسات دون أن يتحول باستمرار إلى مصدر للتوتر، وكلما ارتبط القانون بتنظيم مهنة لها صلة مباشرة بالعدالة والحقوق والحريات ارتفعت الحاجة إلى بناء قدر من الثقة حوله قبل دخوله مرحلة التطبيق.
إن جوهر المسألة في النهاية يتجاوز قانون المحاماة ذاته إلى سؤال أوسع حول كيفية إنتاج القواعد القانونية في دولة المؤسسات، فالديمقراطية لا تنتهي عند التصويت، والرقابة الدستورية لا تعوض الحوار السياسي، والاحتجاج المهني لا يعوض سلطة البرلمان، كما أن الأغلبية العددية لا ينبغي أن تكون بديلا عن البحث عن أكبر قدر ممكن من التوافق عندما يتعلق الأمر بقوانين ذات أثر مؤسساتي عميق.
ومن ثم، فإن قرار المحكمة الدستورية يمكن أن يقرأ باعتباره لحظة توقف مؤسسي أكثر منه لحظة حسم، توقف يسمح للفاعلين بإعادة ترتيب عناصر الخلاف قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، وإذا أحسن استثمار هذه اللحظة فإن ما يبدو في ظاهره عائقا إجرائيا قد يتحول إلى فرصة سياسية لتصحيح المسار وبناء توافق أوسع.
فبين الدستورية التي تحدد ما يجوز للمشرع أن يفعله، والسياسة التي تحدد ما يستطيع المجتمع والمؤسسات أن تتوافق عليه، توجد مساحة واسعة لصناعة قانون أكثر نضجا.
وهذه المساحة هي التي ينبغي أن تستثمر الآن.
فليس المطلوب قانونا ينتصر فيه أحد وإنما قانونا تنتصر فيه العدالة، وتستقيم به العلاقة بين الدولة ومهنة المحاماة، ويحظى بالقدر الكافي من الشرعية السياسية والمهنية التي تجعل من تطبيقه ممكنا ومستداما، وفي هذا المعنى تحديدا قد لا يكون قرار المحكمة الدستورية فرصة لإعادة كتابة الفصل الأكثر أهمية فصل التوافق.

worldwatercongress.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى