هل يفسّر الذكاء الاصطناعي تحاليلك بدقة؟ أطباء يحذرون من الثقة العمياء

لم تعد نتائج التحاليل الطبية والتقارير الصحية حكرًا على الأطباء والمختصين، بعدما أصبح عدد متزايد من الأشخاص يلجأون إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لمحاولة فهم أرقام ومصطلحات تبدو لهم معقدة. وبينما توفر هذه الأدوات إجابات سريعة وقد تساعد في تبسيط بعض المعلومات الطبية، فإن استخدامها في التشخيص أو اتخاذ قرارات علاجية يثير مخاوف متزايدة لدى الأطباء والباحثين.
وتكشف أرقام حديثة عن حجم هذا التحول؛ إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن» في مارس 2026 أن 32 في المئة من البالغين أفادوا باستخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح مرتبطة بالصحة، فيما تشير المعطيات الواردة في تقرير حديث إلى أن 19 في المئة يستخدمون هذه الأدوات تحديدًا لفهم نتائج التحاليل والفحوصات الطبية.
ولا يقتصر الأمر على المستخدمين، إذ تعمل شركات التكنولوجيا على إدماج الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع في الخدمات الصحية. وأطلقت «أوبن إيه آي» خلال 2026 خدمة «ChatGPT Health» التي تتيح، وفق الشركة، الاستفادة من معلومات صحية وسجلات طبية وبيانات تطبيقات وأجهزة صحية متصلة، من أجل مساعدة المستخدم على فهم نتائج الفحوصات والاستعداد لمواعيد الطبيب ومتابعة بعض المؤشرات الصحية.
كما دخلت شركات أخرى هذا المجال، مع تطوير أدوات قادرة على التعامل مع السجلات الطبية أو مساعدة العاملين في المؤسسات الصحية. ويعكس ذلك اتجاهًا واضحًا نحو جعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من رحلة المريض، وليس مجرد وسيلة للبحث عن معلومة على الإنترنت.
لكن سهولة الحصول على الإجابة لا تعني بالضرورة أنها صحيحة.
فالذكاء الاصطناعي لا يفحص المريض، ولا يستطيع بمفرده إجراء الفحوصات المخبرية أو التصويرية، كما أنه قد لا يمتلك جميع المعطيات الضرورية لفهم الحالة الصحية في سياقها الكامل. وتوضح «مايو كلينيك» أن تشخيص المرض وعلاجه عملية أكثر تعقيدًا من تحليل مجموعة من الأعراض أو الأرقام، لأن الطبيب يعتمد أيضًا على الفحص السريري والتاريخ المرضي ونتائج الاختبارات وغيرها من المعطيات.
وتكمن إحدى أخطر المشكلات في أن إجابة الذكاء الاصطناعي قد تبدو دقيقة ومقنعة حتى عندما تتضمن خطأ. فهذه الأنظمة يمكن أن تنتج معلومات غير صحيحة بصياغة واثقة، وهو ما يجعل اكتشاف الخطأ أكثر صعوبة بالنسبة لشخص غير متخصص.
وتظهر خطورة الأمر بصورة خاصة عند التعامل مع التقارير الطبية المعقدة. فقد بينت أبحاث سابقة وجود نقاط ضعف في قدرة النماذج العامة على التعامل مع بعض المعطيات المرضية، بما في ذلك تفسير نتائج متخصصة في علم الأمراض، وهو ما يؤكد أن نجاح النظام في شرح نص طبي لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على إصدار حكم طبي موثوق.
ويحذر أطباء كذلك من أن طريقة تقديم المستخدم للمعلومات يمكن أن تؤثر في النتيجة التي يحصل عليها. فالمريض قد يذكر عرضًا واحدًا وينسى أعراضًا أخرى، أو لا يوضح عمره والأدوية التي يتناولها وتاريخه المرضي، بينما قد تكون هذه التفاصيل حاسمة بالنسبة إلى الطبيب عند تفسير النتيجة.
كما أن الخطر لا يرتبط فقط بالتشخيص، بل قد يمتد إلى القرارات التي يتخذها المريض بناءً على إجابة تلقاها من روبوت دردشة. وقد نقلت تقارير حديثة عن أطباء حالات استخدم فيها مرضى إجابات الذكاء الاصطناعي لتبرير إيقاف أدوية أو التشكيك في توصيات طبية، وهو ما قد يحول أداة يفترض أن تساعد في فهم المعلومات إلى مصدر لقرارات صحية غير محسوبة.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي عديم الفائدة في المجال الصحي. فالتقنيات الحديثة يمكن أن تكون مفيدة في تبسيط المصطلحات الطبية، وتنظيم الأسئلة التي يرغب المريض في طرحها على طبيبه، وشرح معنى بعض المؤشرات بشكل عام، بل إن استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الطبية يشهد تطورًا متسارعًا في مجالات التشخيص والمساعدة في تحليل البيانات.
المشكلة تبدأ عندما ينتقل المستخدم من سؤال «ماذا تعني هذه النتيجة؟» إلى «ما المرض الذي أعاني منه؟» أو «هل أتوقف عن تناول هذا الدواء؟». ففي هذه الحالات، لا ينبغي أن تحل إجابة روبوت الدردشة محل الطبيب، لأن القرار الطبي يحتاج إلى قراءة النتيجة ضمن سياق الحالة كاملة، وليس بمعزل عن الفحص السريري والتاريخ المرضي وباقي المعطيات.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى المجال الصحي، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في قدرة هذه الأنظمة على تقديم إجابة سريعة، بل في معرفة حدود تلك الإجابة ومتى يجب التوقف عن الاعتماد عليها. فالذكاء الاصطناعي قد يكون مساعدًا جيدًا لفهم المعلومة الطبية، لكنه لا يزال لا يمثل بديلًا عن الطبيب عندما يتعلق الأمر بالتشخيص أو تغيير العلاج أو اتخاذ قرار يمكن أن يؤثر مباشرة في صحة المريض.
ولهذا، فإن التعامل الأكثر أمانًا مع هذه الأدوات هو استخدامها كبوابة لفهم المعلومات والاستعداد للنقاش مع الطبيب، لا باعتبارها عيادة رقمية تصدر تشخيصًا نهائيًا أو وصفة علاجية.



