
تحول اللقاء الجماهيري الذي نظمته الأمانة المحلية لحزب الأصالة والمعاصرة بمدينة ابن جرير، مساء الجمعة 11 شتنبر 2026، إلى فضاء مفتوح لطرح مشاكل الساكنة والاستماع إلى انتظاراتها، بعدما اختار عز الدين المداوي، وكيل لائحة الحزب بإقليم الرحامنة، منح الأولوية لمداخلات المواطنات والمواطنين قبل تقديم كلمته والتفاعل مع القضايا المثارة.
وعرف اللقاء حضورا جماهيريا لافتا، خاصة من النساء والشباب، إلى جانب مناضلات ومناضلي الحزب وفعاليات جمعوية ومهنية وممثلين عن عدد من أحياء المدينة، بحضور عبد اللطيف الزعيم، وصيف اللائحة، ومصطفى الرماني، ثالث اللائحة، وسيدي محمد صلاح الخير، الأمين الإقليمي للحزب ورئيس المجلس الإقليمي للرحامنة، وعبد اللطيف الوردي، رئيس المجلس الجماعي لابن جرير، وعبد المنعم بوالدية، الأمين المحلي للحزب، وعدد من المنتخبين ورؤساء الجماعات.
ومنذ انطلاق اللقاء، أعلن مسيره أن الكلمة ستمنح أولا للقاعة، حتى تشكل تدخلات الساكنة أرضية للنقاش، في خطوة أتاحت للمواطنين التعبير المباشر والصريح عن مشاكلهم وملاحظاتهم، بعيدا عن الشكل التقليدي للتجمعات الانتخابية المبنية على تقديم الخطابات فقط.
وفي كلمته الافتتاحية، اعتبر عبد المنعم بوالدية أن الحضور المكثف أعاد إلى الذاكرة البدايات الأولى لحركة لكل الديمقراطيين سنة 2007، وما رافقها من جولات للإنصات إلى ساكنة الرحامنة بمختلف جماعاتها ودواويرها. وأكد أن إعادة بناء التنظيم المحلي للحزب بمدينة ابن جرير تقوم على إشراك المواطنين وتشجيع النساء والشباب على الحضور داخل النقاش السياسي.
ولم تتردد الساكنة في وضع مشاكلها فوق طاولة النقاش، حيث توالت المداخلات التي تناولت أوضاع الصحة والتعليم والتشغيل والبنيات التحتية والنقل المدرسي والماء الصالح للشرب والتطهير السائل والرياضة، إضافة إلى مطالب الأشخاص في وضعية إعاقة وسكان الأحياء التي ما تزال تعاني خصاصا في عدد من الخدمات الأساسية.
وطالب متدخل من فئة الأشخاص المكفوفين بإدماج هذه الشريحة في السياسات العمومية والبرامج المحلية، مؤكدا أن الأشخاص في وضعية إعاقة بإقليم الرحامنة يواجهون صعوبات مرتبطة بالتعليم والتكوين والتشغيل والولوج إلى الأنشطة الاجتماعية والثقافية، إلى جانب المعاناة التي تتحملها أسرهم.
وحظيت أوضاع الشباب بحيز مهم من النقاش، إذ تساءل أحد المتدخلين عما استفاده أبناء ابن جرير من التحولات التي عرفتها مدينتهم، رغم ارتباط اسمها بالجامعة والتكنولوجيا والابتكار والمشاريع الكبرى. ودعا إلى إحداث جسر حقيقي بين الجامعة والمقاولات والاستثمارات الموجودة بالمدينة وبين الشباب الباحث عن العمل، حتى يصبح أبناء المنطقة شركاء في التنمية وليسوا مجرد متابعين لها.
وطالبت مداخلات أخرى بإعطاء الأولوية للكفاءات المحلية في فرص الشغل والتكوين والتأهيل، ودعم الشباب الراغب في ولوج عالم المقاولة والحرف والمهن التقنية، إلى جانب تقوية الأنشطة الثقافية والرياضية وتمكين الجمعيات الجادة من وسائل الاشتغال.
كما حضرت مشاكل الأحياء بقوة خلال اللقاء، بعدما عرضت ممثلة عن ساكنة حي النواجي مطالب مرتبطة بتعبيد الأزقة وتقوية الإنارة العمومية، وفتح المركز الصحي والحمام العمومي، وتوفير النقل المدرسي، وتوسيع الربط بالماء الصالح للشرب وشبكة التطهير السائل، فضلا عن معالجة وضعية المنازل القديمة وتسهيل الاستفادة من رخص البناء.
ونقلت مداخلة من الحاضرة الفوسفاطية شعور عدد من السكان بعدم الاستفادة الكافية من المشاريع والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع المنجمي، مع المطالبة بإنصاف أبناء الرحامنة في فرص الشغل ومعالجة أوضاع العاملين منذ سنوات داخل شركات المناولة، إضافة إلى توفير المؤسسات التعليمية والخدمات الأساسية للأحياء المجاورة.
وبدورها، سلطت إحدى المناضلات الضوء على معاناة الأطفال في وضعية إعاقة والأطفال المصابين بأمراض مزمنة، داعية إلى إحداث مؤسسات متخصصة لمواكبتهم، وتحسين ظروف استقبال المرضى داخل المستشفى العمومي، وتوفير الأدوية والتجهيزات والمستلزمات الطبية الضرورية.
وتطرق أحد الأطر الرياضية إلى ما وصفه بتهميش المواهب المحلية، مطالبا بتمكين أبناء ابن جرير من فرص عادلة داخل الأندية والبنيات الرياضية، ودعم المتميزين في كرة القدم وألعاب القوى والتايكواندو وباقي التخصصات، مع اعتماد الكفاءة والاستحقاق في الاستفادة من برامج التكوين والدعم.
كما عرض أحد تجار السمك معاناة المهنيين بسبب استمرار إغلاق سوق السمك منذ سنوات، مطالبا بإعادة فتحه وتسوية وضعيته، في حين أثار متدخلون آخرون مشاكل النظافة والمرافق الرياضية وغياب عدد من الخدمات عن بعض أحياء المدينة.
وأمام حدة بعض المداخلات وما حملته من انتقادات مباشرة، اختار عز الدين المداوي احتضان النقاش والتفاعل معه بهدوء، مؤكدا أن التعبير عن الانتظارات والاحتجاج المسؤول أمر طبيعي ومشروع، وأن صراحة المواطنين لا ينبغي أن تكون مصدر انزعاج، بل فرصة لفهم حجم المشاكل وترتيب الأولويات.
وقال المداوي إن اللقاءات العمومية مطالبة بمنح المواطن حق التعبير عن الأمور التي ترضيه وتلك التي لا ترضيه، مشيرا إلى أن حرية التعبير من المكتسبات التي ينبغي تعزيزها. كما أعلن استعداده لمواصلة الاستماع، بعد انتهاء اللقاء، إلى من لم تسمح له ظروف التنظيم بأخذ الكلمة.
وأقر المداوي بموضوعية أغلب القضايا المثارة، مؤكدا أن مشاكل التعليم والصحة والتشغيل والنقل والطرق والماء تمثل تحديات حقيقية، وأن الفوارق المجالية لا توجد فقط بين المدن الكبرى والمناطق القروية، بل تظهر أيضا داخل الجهة والإقليم والجماعة نفسها.
وأبرز أن الإنصات لمطالب ساكنة ابن جرير لا ينبغي أن يبقى في حدود تسجيل الملاحظات، وإنما يجب أن يتحول إلى برامج والتزامات قابلة للتنفيذ، معتبرا أن التعليم والصحة والتشغيل تشكل العمود الفقري للدولة الاجتماعية وأساس تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية.
وعبر المداوي عن تأثره بما وصفه بـ«الحرقة» التي ميزت مداخلات عدد من النساء والشباب، متسائلا عن أسباب استمرار بعض مظاهر الخصاص رغم التحولات الكبيرة التي عرفها المغرب ومدينة ابن جرير. وأكد أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إرادة سياسية وتنسيقا بين مختلف المؤسسات.
وفي مقابل إقراره باستمرار عدد من التحديات، دعا المتحدث إلى عدم إنكار التحول الذي عرفه إقليم الرحامنة خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن ابن جرير أصبحت تحظى بصيت وطني ودولي بفضل المشاريع العلمية والجامعية والاقتصادية والبنيات التحتية التي احتضنتها.
وأضاف أن الرهان المطروح اليوم يتمثل في جعل آثار هذه التحولات تصل بصورة ملموسة إلى المواطن، وأن يشعر سكان المدينة، وخاصة الشباب والفئات الهشة والأحياء التي تعاني الخصاص، بأنهم مستفيدون فعليون من التنمية.
وأكد المداوي معرفته بمدينة ابن جرير وأحيائها وأسواقها، إضافة إلى التحديات المطروحة على مستوى الإقليم في مجالات الماء والتشغيل والصحة والطرق والنقل المدرسي ونقل الطلبة، موضحا أنه دون مختلف الملاحظات والمطالب التي قدمتها الساكنة.
وأشار إلى أن عددا من هذه الملفات يتجاوز اختصاص مؤسسة واحدة، إذ توجد مطالب ترتبط بالسياسات الحكومية، وأخرى بالمجلس الجهوي أو الإقليمي أو الجماعات الترابية. وشدد على أن البرلماني لا يستطيع بمفرده معالجة جميع المشاكل، وأن النتائج تتطلب تكاملا بين الحكومة والبرلمان والجهة والمجلس الإقليمي والجماعات، إلى جانب إشراك الكفاءات والفعاليات المحلية.
وتوقف المداوي عند البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، موضحا أنه يتضمن خمسة مواثيق وعشرين التزاما تشمل التشغيل وإعادة تأهيل الشباب ودعم قدراتهم على الاندماج الاقتصادي، إلى جانب إجراءات اجتماعية مرتبطة بحماية القدرة الشرائية وتحسين ظروف عيش الأسر.
واعتبر أن تطبيق هذه الالتزامات يظل مرتبطا بامتلاك الحزب للآليات السياسية والمؤسساتية التي تمكنه من قيادة السياسات العمومية، داعيا المواطنات والمواطنين إلى المشاركة المكثفة في اقتراع 23 شتنبر والتعبير بحرية عن اختياراتهم.
كما خص المداوي الحضور النسائي بتنويه واضح، مشيدا بصراحة النساء وموضوعية خطابهن وحضورهن في العمل الجمعوي والسياسي. وأكد أن مشاركة المرأة في التصويت وصناعة القرار ليست مجرد مسألة انتخابية، وإنما قضية مجتمعية بالنظر إلى موقع النساء داخل الأسرة ودورهن في نقل القيم والمساهمة في التحولات الاجتماعية.
وجدد التزامه بخوض حملة انتخابية نظيفة ونموذجية، تحترم القانون والمنافسين وتقوم على مناقشة البرامج والأفكار، بعيدا عن القذف والتبخيس وتصفية الحسابات، معتبرا أن الانتخابات ينبغي أن تكون مناسبة لتعزيز المشاركة والثقة في المؤسسات.
وأنهى المداوي تفاعله مع الساكنة بالتأكيد على أن المطالب التي عرضت خلال اللقاء ليست مستحيلة التحقيق، لكنها تحتاج إلى الإرادة السياسية وتضافر الجهود وتحديد المسؤوليات، قائلا إن فريق الحزب جاء بنية وضع تجربته وكفاءاته في خدمة الإقليم ومواطنيه.
وتميز اللقاء الجماهيري بابن جرير بكونه لم يقتصر على تقديم خطاب انتخابي، بل أتاح للساكنة مواجهة ممثلي الحزب بمشاكلها وانتظاراتها بصورة مباشرة، في تجربة وضعت الإنصات والتفاعل في قلب النقاش، ورفعت أمام المداوي وأعضاء اللائحة جملة من المطالب التي ينتظر المواطنون أن تجد طريقها من قاعة اللقاء إلى برامج عمل ونتائج ملموسة.




