
منذ دخوله إلى المشهد السياسي بإقليم الرحامنة، اختار عز الدين المداوي طريقا يقوم على الهدوء والإنصات والاقتراب من مختلف الفاعلين، بدل الانخراط في الخلافات التنظيمية أو إعادة إنتاج الاستقطابات التي أثرت خلال مراحل سابقة في تماسك حزب الأصالة والمعاصرة بالإقليم.
وفي وقت كانت فيه مكونات البيت البامي موزعة بين تجارب وحساسيات ومواقف مختلفة، عمل المداوي على تقديم نفسه باعتباره نقطة التقاء لا طرفا في الخلاف، مستندا إلى مساره الأكاديمي وتجربته في تدبير المسؤولية، وإلى خطاب يركز على المشترك ويترك الباب مفتوحا أمام كل من يرغب في العودة والمساهمة.
ولم يعتمد المداوي في بناء هذا التقارب على كثافة الوعود أو حدة الخطاب، وإنما على التواصل المباشر والقدرة على الاستماع إلى كل طرف وفهم دوافعه وملاحظاته. كما حرص خلال لقاءاته الميدانية على تأكيد أن الاختلاف داخل العمل السياسي يظل طبيعيا، لكن تحويله إلى قطيعة دائمة لا يخدم الحزب ولا مصالح إقليم الرحامنة.
هذه المقاربة بدأت تنعكس على المشهد التنظيمي، من خلال عودة عدد من الوجوه واستعادة قنوات التواصل مع قيادات ومنتخبين ومؤسسين وفعاليات تنتمي إلى أجيال وتيارات مختلفة. وقد رافقت قدوم المداوي روح من الالتفاف حول ضرورة تجاوز الحسابات السابقة وبناء مرحلة جديدة قائمة على المصالحة والثقة والعمل الجماعي.
وشكل إعلان عبد العزيز العلوي عودته الرسمية إلى صفوف حزب الأصالة والمعاصرة مؤشرا جديدا على هذه الدينامية. فالعلوي، الذي وصف نفسه بأنه ظل واحدا من «جنود الخفاء» داخل الحزب، قرر الانتقال إلى الانخراط الرسمي والمعلن في المرحلة التي يعرفها التنظيم بالإقليم.
وأكد العلوي أن عودته تمت بمبادرة شخصية ودون تلقيه أي اتصال أو دعوة من أحد، مشيرا إلى أن السمعة التي يحظى بها المداوي وما عرف عنه من مبادرات وأعمال في عدد من المدن، من بينها الرباط والقنيطرة، كان لهما أثر في اتخاذ قراره.
وأضاف أن الخلافات تبقى واردة في الممارسة السياسية، غير أن المطلوب هو تدبيرها بالوضوح والتفاهم، معلنا استعداده للعمل إلى جانب المداوي وباقي مكونات الحزب لخدمة الإقليم. وخاطبه بالقول: «نحن معك، وسنتعاون معك ونعمل يدا في يد من أجل الرحامنة».
ولا تبدو أهمية هذا الموقف مرتبطة بعودة اسم واحد فقط، بقدر ما تعكس تحولا أوسع داخل التنظيم البامي بالإقليم؛ إذ نجح المداوي في مخاطبة حساسيات متعددة دون تقديم نفسه ممثلا لجناح في مواجهة آخر، وهو ما منحه مساحة للتحرك بين مختلف الأطراف وإعادة بناء جسور الثقة بينها.
كما ساعدته شخصيته الهادئة في تحويل عدد من اللقاءات الحزبية والميدانية إلى فضاءات للإنصات، حيث أتيحت الكلمة للمنتخبين والمناضلين والمواطنين لطرح مطالبهم المرتبطة بالماء والطرق والصحة والتعليم والتشغيل وغيرها من القضايا المحلية.
وأظهر المداوي خلال هذه المحطات قدرة على التفاعل مع التفاصيل اليومية للساكنة، والجمع بين مناقشة القضايا المحلية وتقديم رؤية سياسية أوسع، بلغة تميل إلى الواقعية وتتجنب مهاجمة المنافسين أو استحضار النزاعات الداخلية.
وبينما تقوم بعض التجارب السياسية على استقطاب الأنصار عبر رفع حدة المواجهة، اختار المداوي بناء حضوره من خلال الثقة والاتزان وتقريب وجهات النظر. وهي عناصر مكنته، في وقت وجيز، من كسب تجاوب شخصيات وفعاليات لم تكن دائما تقف في الموقع التنظيمي نفسه.
ومع ذلك، يبقى نجاح عملية لمّ الشمل مرتبطا بمدى القدرة على تحويل هذا الالتفاف إلى تنظيم متماسك وعمل ميداني وبرنامج يستجيب فعليا لانتظارات الساكنة. فالإقناع يفتح أبواب العودة، لكن الحفاظ على الثقة يتطلب نتائج ملموسة واستمرارا في الإنصات والتواصل.
وبعودة عبد العزيز العلوي واستمرار الانفتاح على مختلف أبناء الحزب، يرسخ المداوي أسلوبا سياسيا يقوم على جمع المختلفين دون ضجيج، مستفيدا من رصانة الخطاب وقوة الحضور وسمعة جعلت البعض يقترب منه ويعلن مساندته حتى قبل أن يتلقى منه دعوة مباشرة.



